عماد الدين خليل

86

دراسة في السيرة

وقبلية « 1 » ، وشؤون القيان والمرأة والرقيق والتحريم والتحليل في كثير من الأمور . . وخوف الزعامة القرشية وأغنياء مكة معا على ما كان لهم ولمكة من مركز ومنافع أدبية ومادية عظيمة ، بسبب وجود بيت اللّه في مكة وسدانتهم له . . ثم هناك ما أثاره فيهم الإنذار بالبعث والقيامة ، والوصف المسهب للحياة الآخروية ، الوارد في القرآن من عجب واستغراب ، لا سيما أن هذا لم يكن مما هو معروف بهذه الصراحة والإسهاب عند الأمم الكتابية التي كان لها أثر في أفكار العرب ومعارفهم . ولعل في تجريد الأغنياء والأقوياء من أسباب قوتهم ومكانتهم ، وتحقيرهم الدائم ، إثارة للسواد على الزعماء وتحريضا على عصيانهم فيما يأمرونهم به من عدم الاستجابة إلى الدعوة . وقد كانت طبيعة النبي البشرية ، من أسباب المقاومة كذلك . . إذ كان العرب يتخيّلون أن النبي لا بد أن يكون ذا قوى خارقة يفترق بها عن طبائع البشر ويستطيع أن يفعل ما لا يفعله سائر الناس من خوارق المشاهد . . فلما رأوه مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، وسمعوه يعلن بلسان القرآن أنه بشر مثلهم . . جحدوا نبوته وكذبوا صلته باللّه ، ونعتوه بالمجنون والشاعر أو الساحر أو الكاهن « 2 » . . ونمضي في تعمّق أسباب المقاومة الوثنية للدعوة ، فنجد ( وات ) يحدثنا عن مجموعة أخرى من الأسباب ، مؤكدا في الوقت نفسه دور الأسباب التي سبق ذكرها . . « إن السبب الأساسي في المعارضة كان بدون شك ، أن زعماء قريش وجدوا أن إيمان محمد بأنه نبي ستكون له نتائج سياسية ، وكانت السنة العربية القديمة تقول : إن الرئاسة في القبيلة يجب أن تكون من نصيب أكثر الرجال حظا من الحكمة والحذر والعقل ، فلو أن أهالي مكة أخذوا يؤمنون بإنذار محمد ووعيده وجعلوا يستفسرون عن الطريقة التي يجب أن تدار بها شؤونهم ، فمن ذا الذي يحق له نصحهم غير محمد نفسه ؟ » ويمضي وات إلى القول بأن زعماء مكة كانوا من بعد النظر بحيث أقروا بالتناقض بين تعاليم القرآن الأخلاقية ورأس المال التجاري الذي كان عماد حياتهم . . كما كان العرب بطبيعتهم ، أو حسب تربيتهم محافظين . . ويقول الزهري بأن سبب المعارضة ، بالإضافة إلى مهاجمة الأصنام ، القول بأن مصير أجدادهم النار ، ويرتبط احترام الأجداد هذا ارتباطا وثيقا بتقديس

--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير لآيات سورة الأنعام : الآيات 33 - 36 . ( 2 ) انظر بالتفصيل : دروزة : سيرة الرسول 1 / 183 - 193 .